هناك فكرة او زعم يطرح دائما في بعض الاروقة التقنية العربية، هذه الفكرة تتمحور حول انه بدون ثقافة احترام الملكية الفكرية و رخص الاستخدام, لن تكون هناك صناعة برمجيات محترمة في الوطن العربي لان البرامج سوف “تسرق” (يقصدون تستنسخ) و يتم تداولها بالمجان و تفلس الشركة المنتجة.
بداية، هذا الكلام فيه نسبة من الصحة، و لكنه ليس صحيح تماما، فهو يركز على نقطة معينة و لكنه يغفل الكثير من النقاط.
ما نحتاجه هو وسيلة لانشاء شركات (ربحية) تقوم بتطوير البرمجيات و الربح عن طريقها.
هذا لا يعني بالضرورة اننا نحتاج ثقافة احترام الملكية الفكرية، و لا يعني اننا يجب ان نخرج فتاوى تحرم نسخ البرامج.
طبعا اذا انشأت شركة تعتمد بشكل كامل على بيع النسخ للافراد العاديين و منعهم من المشاركة فيما بينهم، فهذا النموذج فاشل جدا, ليس فقط في الدول العربية، بل في كل مكان!! و حتى مايكروسوفت لا تعتمد عليه,و الا لكانت افلست من زمان, فكل برامجها متاحة بالمجان على التورنت. و نفس الشيء يقال عن برامج ادوبي، و غيرها.
و هو نموذج فاشل ليس اقتصاديا فقط بل تقنيا ايضا, فاغلب البرامج اللتي تكون مصممة بهذا الهدف تكون عادة فاشلة. البرامج الناجحة يجب ان تحظى بعناية و تطوير مستمر، يعني لا بد ان تكون الشركة مهتمة بجودة الخدمة اللتي يقدمها البرنامج. العقليات اللتي تظن انه يمكن صنع برنامج في فترة زمنية معينة (مثلا ثلاثة اشهر) ثم بيعه و جني ارباح طائلة، لا يمكن الا ان تكون فاشلة، لانها تعتبر البرنامج سلعة في حد ذاته و لا تنظر الى الجانب الخدمي، و ربما لا تهتم بدعم المنتج، لانها مثل بائع البطيخ: هل رأيت يوما بياع خضرة يوفر “دعم” للخضرة بعد ان بيعت؟ المهم ان يبيع لك الحاجة و لا يهم بعد ذلك اي شيء.
يمكن ان نطلق على هذا النموذج “نموذج بيع البطيخ سوق الخضار”. في حياتي كلها اظن انني اشتريت فقط ثلاثة برامج عربية، و كلها كانت من هذه النوعية. من ابسط المواصفات السيئة لهذه البرامج هي انها واجهتها مزعجة جدا و ليس فيها شيء مريح ابدا.
قد لا تكون قادرا على ان تفرض على كل مستخدمي البرنامج ان يدفعوا لقاء البرنامج، و هذا ليس امرا سيئا بالضرورة. من المفيد دائما ان ينتشر البرنامج، حتى لو كان هذا على حساب الارباح مؤقتا.
هناك الكثير من الخدمات و البرامج المجانية و مع ذلك تتمكن الشركات من جني ارباح عن طريقها. و ابسط مثال يعرفه الجميع هو كووكل، تاتي ارباحهم بالكامل تقريبا عن طريق الاعلانات فقط. حين يصبح لديك قاعدة مستخدمين عريضة يحبون الخدمة اللتي توفرها لهم،لا بد ان تكتشف طريقة لجني الارباح عن طريقهم بشكل او بآخر. و لكن يجب ان تكون مستعدا من البداية للتفكير خارج الصندوق، و تتخلص من نموذج سوق الخضار لبيع البرمجيات و تخرجه من عقلك بالكامل.
يجب ان نفكر في اساليب مختلفة للحصول على دخل مادي للشركة. نموذج بيع البرامج كسلع بحتة ليس ناجحا كثيرا، و هذا ليس فقط في الوطن العربي بل في كل مكان. نعم قد يكون ناجحا في البرامج الموجهة للشركات و المؤسسات، و لكن حتى في هذا المجال سيكون مطلوب منك ان تقدم خدمات مع البرنامج اهمها الدعم و الصيانة و ربما تثبيت البرنامج ايضا داخل الشبكة الخاصة بالشركة.
لننظر الى بعض الامثلة و نرى كيف يمكن جني ربح من خدمة او منتج مجاني.
لننظر الى صناعة المسلسلات العربية.
اولا المسلسلات تذاع بالمجان على التلفزيون، و كل الناس يمكن ان يتشاركو فيما بينهم .. هل سمعت يوما باحد رفض اعارة فيديو لجاره او صديقه لانه “ممنوع”؟
القنوات التلفزيونة العربية تقوم الان بوضع المسلسلات على مواقعها, كمثال على ذلك: http://shahed.mbc.net
الية الربح في هذا المجال تعتمد على بيع المادة للتلفزيون، و ليس للافراد. بالطبع لا بد من وجود نوع من الحماية للملكية الفكرية لكي تكون هذه الالية مجدية، و الا لكان يمكن للقنوات التلفزيونية ايضا ان “تتشارك” المسلسلات فيما بينها و لا تحصل الشركة المنتجة على شيء يذكر.
و لكن النقطة هنا، ان هذه الحماية للملكية الفكرية تطبق على مستوى الشركات و المؤسسات فقط, و ليس على مستوى الافراد. الفرد العادي يحصل على المادة مجانا عن طريق التلفزيون، و لا احد سيلاحقك اذا سجلت الحلقة على كاسيت فيديو او ديفيدي و اعطيت نسخة منها لجارك.
و بمناسبة الحديث عن التلفزيون، فالقنوات التلفزيونة في حد ذاتها مثال جيد على خدمة مجانية تحصل على الارباح عن طريق الاعلانات و ليس عن طريق اجبار الافراد العاديين على الدفع مقابل المشاهدة.
حتى اذا نظرنا الى ميكروسوفت، جزء من مدخولها يعتمد على قدرة الناس على نسخ برامجها (و قرصنتها) لان هذا ساعد و يظل يساعد على انتشار هذه المنتجات. هناك مقولة لـ بيل كيتس اصبحت معروفة ربما، يقول بما ان الناس في الدول الفقيرة ستنسخ البرامج على اي حال، فإننا نريدهم ان ينسخوا برامجنا، و سنفكر لاحقا كيف نحصل على المال.
انا ضد الملكية الفكرية مبدئيا، و لكنني اؤيد وجودها و فرضها - على مستوى الشركات و المؤسسات و القطاع الاقتصادي- من اجل ان تكون حافز اقتصادي، يعني شر (تقريبا) لا بد منه. اما على مستوى الافراد فهي شر كله ولا نريد انتشارها كثقافة عامة ولا ان تفرض على الافراد من قبل الحكومة.
فرض الملكية الفكرية على الافراد في الوطن العربي معناه نقل الاموال من جيوب الشعوب العربية الى جيوب الشركات الغربية.
انا اعتقد ان ما نحتاج المزيد منه هو ثقافة البرمجيات الحرة (على مستوى الافراد و الشركات).
كيف؟
نموذج البرمجيات الحرة يجبرك على التفكير خارج الصندوق و البحث عن اساليب جديدة في الربح. النموذج التقليدي (الميكروسوفتي) فاشل تماما. الكثير من الدول العربية حاليا تقوم بالفعل باحترام الملكية الفكرية على مستوى الشركات و مؤسسات الدولة، و اتخيل ان الجامعات و الحكومات العربية تدفع الكثير من الاموال لمايكروسوفت لقاء تراخيص و دعم وندوز و اوفس و غيره. هل ساهمت هذه القوانين في تطوير صناعة التقنية و البرمجة العربية؟ ام ان كل ما قامت به هو نقل الاموال الى جيوب الشركات الغربية؟
النموذج الناجح لا يعتمد فقط على “بيع” سيديهات كما يباع البطيخ في سوق الخضرة. لكي يكون المنتج ناجحا و مفيدا لا بد ان يكون مدعوم بشكل جيد و لا بد ان تاتي معه مجموعة من الخدمات و الا اصبح بدون قيمة حقيقية.
البرنامج ليس خضرة تاكلها لمدة ربع ساعة ثم تذهب، البرنامج قيمته ليست في انه برنامج بل قيمته بحسب الخدمة اللتي يقدمها للمستخدم. برنامج بدون دعم لا يقدم اي قيمة حقيقية بل يقدم مجموعة من المشاكل.
ثقافة البرمجيات الحرة لها فائدة اخرى، و هي انتشار و اعتماد منصات التطوير المفتوحة مثل لينوكس او بي اس دي. يمكن لهذه المنصات ان تجذب حولها مجتمع من الهواة اللذين يحبون مشاركة المعرفة فيما بينهم، و تكوين مراكز “تقنية” صغيرة. قد لا تصبح هذه المراكز التقنية ابدا بحجم وادي السليكون، و لكنها افضل من لا شيء على كل حال. و هذه المراكز او نقاط التجمع ضرورية جدا لكي تكون لنا صناعة برمجيات محترمة. فلكي تكون هناك صناعة برمجيات محترمة يجب ان تكون هناك بيئة تساعد على انشاء و تخريج مبرمجين محترمين.
ثقافة البرمجة عند الكثير من الشباب نشأت من الفجول بيسك. الكثير تعلم الفجول بيسك و جمد عليه، و زيادة الطين بلة انهم تعلموا بعد ذلك بعض التقنيات الاخرى المرتبطة بشدة مع فجول بيسك، مثل قواعد بيانات معينة و تقارير معينة، مثلا اكسس و فوكس برو و كريستل ريبورت. هذا يعني جيل كامل مكون من انصاف مبرمجين لا يمكن لاحدهم ان يحلم يوما ان يقترب من ترمنل ينوكساوي.
نحتاج ثقافة تنتج مبرمجين متحمسن مندفعين .. يفكرون خارج الصندوق و يغردون خارج السرب. سمهم ما شئت: geeks, hackers, nerds ..
ثقافة البرمجيات الحرة: هي ثقافة مشاركة العلم, ثقافة المساهمة في التقنية و البرمجيات من قبل الجميع, ثقافة الانتاج (اذا كنت تريد خاصية جديدة في البرنامج, اضفها انت, او جمع فريقا يقوم بذلك, او وظف مجموعة مبرمجين ليقوموا بذلك)
ثقافة الملكية الفكرية: هي ثقافة احتكار العلم, ثقافة ملكية الافكار من قبل الاغنياء و الشركات العملاقة, ثقافة الاستهلاك (اعطنا نقودك و خذ منتجاتنا, و لا تشارك بها مع احد, و لا تحاول تقليد البرنامج او هندسته عكسيا)
ثقافة الهاكرز الاصلية نشأت من الجامعات و مراكز الابحاث العلمية، لهذا من الطبيعي ان يكون جزءا مهما منها هو احترام العلم و مشاركة المعرفة.
مبرمجي الفجول بيسك لا يملكون اصلا القدرة المعرفية للبحث عن اساليب تطوير الانظمة و بالتالي لا تتوقع منهم ان ينتجو اكثر من برامج محاسبة اخر على قواعد بيانات اكسس. اصاب بالصدمة و الرعب احيانا حين اقرا اناسا جدد على البرمجة يعلنون فيها عزمهم و نيتهم على خطو خطوة جبارة الى الامام و ذلك بتعلم قواعد بيانات اكسس!! و ان شاء الله بهذا العلم سيقدمون خدمات جليلة للامة!! هذه الثقافة الفجول بيسكية ثقافة مدمرة.
المنصات المفتوحة توفر بنية تحتية رائعة يمكن الانطلاق منها لتطوير الكثير من التقنيات. الرائج حاليا في عالم شركات البرمجة هو انشاء تطبيقات ويب، اي برمجة “مواقع” توفر خدمات مهمة و معقدة بحيث ان الموقع ليس مجرد صفحة بها نصوص و صور بل هو تطبيق بكل ما للكلمة من معنى. و المنصات المفتوحة هنا تقدم ميزة كبيرة لمطوري تطبيقات الويب، ليس فقط لانها مفتوحة و مجانية، بل لانها تتفوق على المنصات المغلقة بمراحل هائلة من ناحية الجودة و القوة و تقديم الفائدة للمبرمج في تسهيل عمله.
ليس بالضرورة انني اطالب ان يكون كل شيئ حرا و مفتوحا. يمكن ان تقدم خدمة عن طريق web application و ان تقوم باخذ مقابل عنها لكل مستخدم للخدمة. و يمكن ايضا ان تنتج برنامج مغلق و تبيعه للشركات، و هذا امر ممكن من دون الحاجة الى اضافة اي شيء جديد الى القوانين في الدول العربية (على الاقل بعضها) او المطالبة بنشر ثقافة احترام الملكية الفكرية.
السبب الحقيقي لتخلف العرب في صناعة التقنية ليس له علاقة بالملكية الفكرية. السبب هو عدم وجود عدد كافي من المبرمجين المهرة، و ان وجدوا فاكثرهم يعتمد على منصات سيئة (وندوز) و لا يحاولون التفكير بشكل جدي في كيفية الربح من دون اتباع نموذج “بيع البطيخ في سوق الخضرة”.
الميزة الاخرى و الهامة جدا لثقافة المصادر المفتوحة هي وجود كم هائل من المواد اللتي يمكن التعلم منها. هذه المواد هي الاف و ملايين الاسطر المفتوحة للعديد من البرامج، من ضمنها العاب و برامج مكتبية و انظمة تشغيل كاملة و برامج مكافحة فيروسات و برامج رسم و مكتبات رسومية و درايفرات اجهزة. هذه اكواد حقيقية تستخدم في الـ production و ليست مجرد امثلة صغيرة في كتاب هنا او هناك.
لاحظ مثلا لعبة تحت الرماد, وجدتها الصيف الماضي تباع في احد المحلات في دمشق و اشتريتها (نسخة اصلية) ليس لاني اؤمن بالملكية الفكرية و لكن رغبة في المساهمة في دعم هذا المشروع. شغلت اللعبة و اذا بها متواضعة الى ابعد الحدود, ربما تصلح كاصدار alpha و لكن لا تصلح في صيغتها الحالية كمنتج نهائي يعرض للبيع!! و لا اريد الانتقاص من جهود الفريق بل احييهم و احترمهم جدا جدا, و لكن ربما يحتاج الفريق خمس سنوات اخرى حتى ينتج لعبة بمستوى quake II مثلا, و ربما 10 سنوات اخرى قبل انتاج لعبة بمستوى الالعاب الحالية مثل half-life2, و طبعا في ذلك الحين ستكون الالعاب الغربية وصلت الى مراحل اكثر تطورا بكثير و لن يشتري احد الالعاب العربية بل سيتجهون الى الالعاب الغربية.
و السبب واضح فعليهم كتابة كل شيء من الصفر و تعلم كل شيء من الصفر!! و اكيد سيعيدون اختراع العجلة عشرات المرات و يكررون جميع اخطاء من سبقهم (و ربما اكثر).
طبعا هناك سؤال و هو، لنفرض انهم اعتمدوا منصحة حرة مرخصة بالـ GPL، كيف سيبيعون اللعبة و كيف سيربحون؟
و هذا سؤال لا اعرف اجابته. و لكن يمكن مثلا اخذ محرك Quake III و المرخص تحت GPL v2 و يمكن دراسته و تطوير لعبة عليه. اذا طورت لعبة عليه يجب ان تكون حرة و لهذا ربما لا يمكن ان تكون مجانية (يمكن ان تباع و لكن يجب ان تكون حرة). و لكن العمل على مثل هذا المشروع لفترة معينة اكيد سيكون دفعة تقنية كبيرة لكل من عمل عليه و سيكسبهم خبرة ربما تمكنهم من تطوير محرك جديد بطريقة افضل بعشرات المرات من المحرك الحالي.
هذه الادوات متوفرة ليس من اليوم و البارحة، بل من زمان، فاين العرب منها؟
انها مسألة ثقافة، فالكثير من التقنيين و المبرمجين يتوق لنموذج ميكروسوفت و يراه كتعريف للنموذج الناجح، ثم ينظر الى حال الدول العربية فيرى استحالة تطبيق هذا النموذج، فيشعر بخيبة امل و يرى بأنه لا فائدة. نفس الثقافة اللتي تنتج هذه النظرة، تنتج ايضا نظرة سلبية الى كل ما هو حر و مفتوح، فالبعض يظن ان المنصات المفتوحة هي لعب عيال و لا تصلح للاستخدام الحقيقي!! و هذه قمة السخافة فاي شخص عمل على هذه المنصات لفترة من الزمن يعرف انها متفوقة على نظيراتها المغلقة بمراحل — هذه اذا صح ان نعتبر الوندوز “نظير” لليونكس.